محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

483

شرح حكمة الاشراق

وكلّما كان الإدراك أتمّ كان اللذّة أعظم ، كلذّة النّظر إلى الوجه الجميل على قرب وفي موضع كثير الضّوء ، بخلاف ما لو كان على بعد والموضع قليل الضّوء . وكذا إذا كان المدرك أشدّ ملائمة ، كما أنّ لذّة النّظر إلى الوجه الأحسن أكثر ، لا محالة ، من إدراك ما هو أقلّ حسنا . وحيث الأمر كذا ، فكما أنّه لا يقاس ثلاثة الرّوحانيات إلى ثلاثة الجسمانيّات ، لما بيّنا من المفاضلات ، كذلك لا يقاس اللّذّة الحاصلة من إدراك النّور المجرّد إلى اللّذّة الحاصلة من إدراك الحسّ للجسمانيّات ، إذ التّفاوت بينهما على نسبة التّفاوت بين المدركين والمدركين وبينهما بون بعيد لا يمكن أن يقاس بينهما ، ولا ندرك ونحن في عالم الغربة ، فلذلك لا يقاس اللّذّة العقليّة إلى اللذّة الحسّيّة ، ولا تدرك اللّذّة لعقليّة في هذه العالم . وإليه الإشارة بقوله : فلذّته ، فلذّة النّور المجرّد ، لا تقاس إلى لذّتها ، لذّة الظّلمانيّات ، يعنى اللّذّة الحسّيّة البهيميّة . ومنه يعلم أنّ الأمر ليس على ما ظنّ العامّة : من أنّ لا لذّة غير الحسّيّة . ولم يعلموا أنّ لذّة الملائكة بجوار اللّه تعالى وشهود جلاله أتمّ وأعظم وأجمل وأفضل من لذّات البهائم بمآكلها ومشاربها ومطالبها ومآربها ، ولا يحاط بها ، بلذّة النّور ، في هذا العالم ، لكوننا محجوبين عنها ، بسبب الموادّ وعلائقها وعوائقها . كيف ، يقاس اللّذّات الرّوحانيّة إلى اللّذات الجسمانيّة ، والحال ، أنّ كلّ لذّة برزخيّة ، أي : جسمانيّة ، أيضا إنّما حصلت بأمر نوريّ رشّ على البرازخ ، لما سبق من أن جميع اللّذات من النّور ، وأنّ اللّذّات الجسمانيّة يفيضها ربّ النّوع ويرشّها على أشخاص ذلك الطّلسم . حتّى لذّة الوقاع أيضا رشح عن اللّذّات الحقّة ، أي : النّوريّة الرّوحانيّة : فإنّ الّذى يواقع لا يشتهي إيتان الميّت ، لخلوّه عن النّور المدبّر وآثاره العرضيّة ، بل لا يشتهى إلّا برزخا وجمالا فيه شوب نورىّ ، إذ لا يكفى الجمال فيه ، بل لا بدّ من النّور ، ولذلك لا يشتهى إتيان الأصنام وإن كانت في غاية الجمال ، لخلوّها عن النّور ، ولا إتيان الممعن في السّنّ ، لعدم قبوله